السيد عبد الله شبر
291
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
ولا يرزقه ما يرزقه المطيع من أستاذ سليم ، ومؤدِّب عليم ، وواعظ مبلّغ ، وناصح شفيق ، بل يقيّض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم ، فيكتسب منهم ما يكتسبه المطيع ، ثمّ يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم العالم البارد طبيعة الرأس الصبور ، المعتدل المزاج ، القلب الذكي ، اللطيف الروح ، الدرّاك يقظان النفس الحازم ، ما هذا من العدل والكرم والرحمة . فثبت بهذا القول أنّ العقاب على خلاف قضيّة العقول . الثاني : أنّ التعذيب في الآخرة ضررٌ خال عن جهات المنفعة : أمّا إنّه ضرر فظاهر . وأمّا إنّه خال عن جهات النفع فلأنّ تلك المنفعة إمّا عائدة إلى اللَّه أو إلى غيره ، والأوّل باطل ؛ لتعاليه عن وصمة التغيير والانفعال ، والثاني أيضاً باطل ؛ لأنّها إمّا عائدة إلى المعذَّب أو إلى غيره ، أمّا إليه فهو محال ؛ لأنّ الإضرار لا يكون عين الانتفاع . وأمّا إلى غيره فهو محال ؛ لأنّ دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع ، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى آخر ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو باطل . وأيضاً فلا منفعة يريد اللَّه إيصالها إلى أحد إلّاوهو قادر عليها بوجوه شتّى ، فالإضرار عديم الفائدة . فثبت أنّ التعذيب ضرر خالٍ من جهات المنفعة ، وأنّه معلوم القبح بديهة ، بل قبحه في العقول أشدّ من قبح الكذب [ الغير الضارّ والجهل الغير الضارّ ، بل من قبح الكذب ] « 1 » الضارّ والجهل الضارّ ؛ لأنّ الكذب الضارّ وسيلة إلى الضرر ، وقبح وسيلة الضرر دون قبح نفس الضرر ، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من اللَّه تعالى ؛ لأنّه حكيم ، والحكيم لا يفعل القبيح . الثالث : أنّه لمّا كان عالماً بأنّ الكافر لا يؤمن كما أخبر عنه في الآية السابقة وعنى بها
--> ( 1 ) . الزيادة أثبتناها من المصدر .